مصطفى مسلم

71

مباحث في إعجاز القرآن

وقارنوا كل ذلك بما ورد عن العرب في أشعارهم وخطبهم وفصيح كلامهم في محافلهم ، وأبرزوا مزايا القرآن الكريم على كل ذلك ، نجد الخطابي يضيف بعدا جديدا إلى مفهوم النظم حيث يقول : ( وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم . وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه ، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها ) « 1 » . والخطابي عندما يطلق هذه الأوصاف العامة في النظم القرآني وألفاظه الفصيحة الجزلة ونظمه المتآلف المتلائم ومعانيه الفاضلة ، لم يسق أمثلة تطبيقية من خلال نصوص آي الذكر الحكيم ليلمسنا هذه الجوانب لمس اليد ويضع أصابعنا على هذه الجوانب من النظم القرآني كما فعل الجرجاني الذي جاء بعده . ولعل جانبا آخر تميّزت به نظرية الخطابي في الإعجاز وهو مزيتا القرآن الكريم التي قال عنها الخطابي : ( صفتا الفخامة والعذوبة ) يقول في ذلك : ( . . . فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة « 2 » ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام

--> ( 1 ) « بيان إعجاز القرآن » للخطابي ، مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، ص 27 ، بتحقيق محمد خلف اللّه ، د . محمد زغلول سلام . ط دار المعارف . ( 2 ) يقصد الخطابي الكلام البليغ الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام : ( البليغ الرصيف الجزل ، والفصيح القريب السهل ، والجائز الطلق الرسل ) .